اسمحوا لي، أن أعبر لكم هنا عن احترامي الكبير لرجل استثنائي، عن انسان طيب للغاية، رجل شرب وتشرب قيم النبل والصدق ومساعدة الآخر. إنسان حكيم، رزين وهادئ. إنه الباحث محمد ولد مولود المتخصص في أركيولوجيا الصحراء، بالفطرة والخبرة والحنكة. مستكشف كل مواقع النقوش الصخرية في اقليم الصحراء، وحاميها الأول، وحافظها ومحافظها.
يسميه الدكتور المتخصص في علوم النقوش الصخرية الصديق، عبدالهادي واݣ، بغاندي الحجر، أو غاندي الصخور. لأن هذا الرجل وهب حياته للتراث وللصخور المنقوشة التي تعج بها الصحراء، وتحديدا إقليم السمارة، يكتشفها، يحصنها، يعرف بها ويدافع عنها بشراسة. ينبه المسؤولين بضرورة الاهتمام والعناية بهذه الآثار المادية الدفينة التي تنقل إلينا تاريخ الانسان القديم الذي عاش في هذه الربوع الصحراوية المترامية الأطراف. قضى نحو 30 سنة في البحث والترافع عن هذه الصخور، يشن معاركه في صمت، وينقب بهدوء، ويعمل بشغف.
أسس جمعية “ميران” لحماية التراث بإقليم السمارة(وهو اسم لمكان موقع توجد فيه نقوش صخرية بنواحي مدينة السمارة، ومن المؤكد أنه اسم أمازيغي، إميران، إميري). وتولت الجمعية في المقام الأول، تحصين المواقع التي تم اكتشافها، والسعي نحو تسجيلها ضمن التراث الثقافي الوطني، ونجح في ذلك حيت استطاعت الجمعية بتسجيل العديد من المواقع منها ميران وعصلي بوكرش وموقع الغشيوات، وتم بناء المحافظات بها لحراستها وحمايتها.
إن ما يقوم به، السيد بايبا، من أجل حفظ هذه الآثار، هو عمل جبار وعظيم، لن ينساه له التاريخ، فكما فعل الإنسان الامازيغي القديم في نقش تلك الرسوم والكتابات على الصخور، وبقيت لما يزيد عن ثلاث الاف سنة، هو نفسه ما يقوم به سيدي محمد مولود في حفظ هذه الآثار والمآثر والفنون الصخرية التي لا تقدر بثمن. فعمل ونضال بايبا هو الآخر مسجل في مجلدات التاريخ وسيبقى خالدا في الحاضر والمستقبل.
شن غاندي الحجر ومانديلا الصخور، هجوما كاسحا على شركة المقالع التي قامت بجرائم شنعاء في موقع الغشيوات التي تتوفر على المئات والعشرات من النقوش الصخرية، متعددة ومتنوعة في الرسوم والأشكال المنقوشة، حيوانات مختلفة، رسوم بشرية، كتابات الحروف الليبية الأمازيغية،… حيث وجدت تلك الشركة فرصة سانحة لقلع وتفكيك تلك الصخور التي يستخرج منها نوعا نادرا جدا من الرخام، وفي عمق الصحراء والفيافي في جماعة امݣالا، وهي صخور ذات ميزة خاصة، استغلت تلك الشركة الفراغ والخلاء لتنفرد بمساحات شاسعة من الصخور وتقطعها وتنقلها في صمت إلى ميناء العيون…حتى خرج لها بايبا من حيث لا تتوقع، ووقف أمام جرافاتها الضخمة وترسانتها التقنية، وواجهها بالنضال والصراخ والترافع امام المسؤولين، وتنبيههم من هذه الجريمة الشنعاء في حق التاريخ والنقوش والتراث المادي…حتى توفق بايبا من إيقاف طمع الشركة وقام بحفظ الموقع وتسجيله وجرد كل تلك الرسوم بعقد اتفاقيات وشراكات بين جمعيته ومؤسسات أخرى إقليمية ودولية، من بينها مركز بحث فرنسي. وموقع الغشيوات الممتد على ما يزيد عن 10 كلمترات، هو خزانة تاريخية وحضارية مفتوحة على السماء، وهي بمثابة كنز ثمين جدا. يجب أن يحظى بكامل الثقة والعناية، ويمكن أن يتحول إلى موقع سياحي عالمي خاصة بعد أن تتم الأشغال وافتتاح المحمية التي يتم اعدادها بهذا الموقع، وهي محمية طبيعية ستضم أهم الحيوانات والوحيش الذي كان يعيش في الصحراء.
بايبا هو بوصلة النقوش الصخرية بإقليم الصحراء، له معرفة كبيرة جدا بتلك الرسوم والنقوش والكتابات، ليس متخصص في الموضوع بصيغة المختبر، ولكن بصيغة الخبرة، يتعرف على المواد والاشكال الهندسية لبعض الادوات و الاحجار التي كان يستعملها الانسان القديم في النقش والصيد والحياة اليومية. هو صديق الصخور، وعارف بكل خبايا الصحراء.
محمد مولود، إبن قبيلة الرݣيبات، يفهم الأمازيغية ويقرأ حروف تيفناغ، تفكيره مثل الصحراء، واسع لا حدود له، بذلك يكون رمز التعايش، والتمازج بين الثقافات، رسالته المقدسة هي الحفاظ على هذا التلاقح المنفتح والجميل الذي تعيشه الصحراء. يسهر على جلب وتنظيم رحلات تربوية لتلاميذ المدارس والثانويات بالسمارة وضواحيها، إلى مواقع النقوش الصخرية، ويشرح لهم الكتابات الأمازيغية القديمة، تيفناغ، ويتحدث لهم عن السكان الأوائل للصحراء، بدون طابو ولا تحجر، ولا تعصب. يريد أن يشكل ويربي في أذهان الأجيال القادمة، قيم التعايش والتلاقح والتمازج، ويسهر على أن تبقى الصحراء دائما على هذه الطباع وتحافظ على قيم المشترك، والفضاء المفتوح، ووعاء لجميع الثقافات واللغات والحضارات، وما التداخل والتمازج بين الحسانية والأمازيغية لنموذج ناصع على هذا التعايش والانصهار. وهذا ما يدعو له بايبا، حيث يؤكد على ضرورة الوعي بأهمية نشر قيم التعايش والتلاحم بين كل التنوعات الثقافية التي تتعايش في الصحراء منذ قرون طويلة.
هو زميل الباحثين، وصديق المتخصصين، والاعلاميين. له معارف كثيرة مع باحثين مغاربة وأجانب، راكمها بعد سنوات طوال في العمل الجمعوي التطوعي والميداني خدمة للتراث والمآثر وحفاظا للذاكرة. يقدم المساعدة للجميع، ويتعاون مع الجميع، هو مرشد الباحثين والاعلاميين في دواخل الصحراء، ولذلك يكسب إحترام وتقدير الجميع.
فعلا كل هذه الفضائل المثلى والخصال الحميدة التي وهبها الله لهذا الرجل، تجلب له كل الحب والتقدير عند أغلبية المسؤولين الاقليمين والجهويين والمركزيين، ولا غرابة أن يحظى بايبا بكل الثقة لدى عامل الإقليم ورئيس المجلس الإقليمي لسمارة والمدير الوطني للتراث الثقافي بوزارة الثقافي وجمهور كثير من الباحثين، وليس من الغرابة أن يتسبب له كل هذا، لأحقاد بغيضة وحسد، نجانا الله واياكم، من بعض الموظفين الصغار على المستوى الإدارة الجهوية والاقليمية لوزارة الثقافة، الذين يحاولون وضع المسامير في طريق غاندي الحجر، وعالم الصخور…وذلك ما اتضح جليا بعد أن تعاون محمد بايبا كرئيس لجمعية ميران لحماية التراث بالسمارة مع فريق مبعوث خاص لقناة تامزيغت الثامنة، التي انتقلت إلى موقع الغشيوات لتصوير حلقة جديدة حول النقوش الصخرية، واستقبلنا بحفاوة كبيرة، وبكرم الصحراء الذي لا ينضب، حيث انتعشت الاحقاد من جديد الانتقام من السيد بايبا وتصفية الحسابات الشخصية الفارغة، وحاولت منع الفريق من التصوير عن طريق التهديد، وقامت بخرق القانون باتخاذ إجراء إداري غير قانوني في حق محمد بايبا، باعتباره محافظا النقوش الصخرية لدى وزارة الثقافة.
بايبا لا يحتاج إلى أن نتضامن معه، ولا أن نكتب عنه مقالات، ولكن إنه رجل يستحق منا كل التقدير والاحترام.

عبدالله بوشطارت