لم تكن إسرائيل لتترك الجولان تحت أي ظرف، حتى لو وجدت كل التجاوب من السوريين، فهذه الهضبة تضعها في موقف استراتيجي ضعيف، وبسبب المعضلة في الجولان بدت جميع محاولات التقدم في عملية السلام عبثاً لا طائل من ورائه، حتى مع إعلان إسرائيل استعدادها لمقايضة الأرض بالسلام في إبريل 2008، لأنها ببساطة لن تقدم للسوريين عملية الاستعادة، وسيكون الأمر أشبه بتفريغ الجولان تحت وصاية التقنية العسكرية الإسرائيلية، ومعها ربما حزام من اللاوجود العسكري السوري داخل الأراضي السورية.
ما الذي يعنيه الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان؟ من الناحية القانونية لا يعني شيئاً، ولا يساوي قيمة الورق الذي وشحه التوقيع المتوتر للرئيس ترامب، ولا المتحلقين حوله من أشخاص جعل الأمر يبدو محفلاً للمؤمنين بعقيدة سرية أكثر مما هو فعل سياسي مدروس. ومع ذلك، فالرسالة تقول بوضوح إن أحاديث عن السلام بنسخته السابقة التي بدأت تتشكل بعد حرب 1967 لم تعد مطروحة، وأن إسرائيل لن تفاوض منذ اليوم على الأرض، وليست مضطرة لذلك، وما يمكن للجيران العرب أن يطلبوه هو الأمن الذي لن يحصلوا عليه إلا بالتعاون مع إسرائيل.
أتى التوقيع على السيادة على الجولان بوصفه هدية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يستعد لانتخابات مقبلة، ستتوالى بعدها الفصول في خطة الصهر كوشنير، الذي أظهرته الصورة بعد التوقيع في موقع الكاهن الأكبر، على الرغم من حداثة سنه، فالفتى الذي هبط مظلياً على قلب الآنسة أيفانكا ترامب وانطلق بعد ذلك ليصبح عملياً صاحب الكلمة العليا في البيت الأبيض تسكنه أشباح التوراة، ويبدو متأثراً بقصصها القديمة، وبالنسبة لشاب صنعته الصدفة البيولوجية البحتة، ويجرب السلطة بهذه الطريقة المجنونة، فالأمر يدفعه للاستخفاف بكل شيء، بحيث تصبح الكلمة في داخله منحازة للدراما التي يصنعها شبقه نحو البطولة المتخيلة، بدلاً من الانحياز للتحفظ السياسي وإدراك اللعبة في صورتها الأوسع.
عموماً، ليس أمام المنطقة إلا أن تستعد للأسوأ، فترامب يخرج من أزمة تقرير المحقق مولر بدون خسائر تقريباً، ويصبح الطريق أمام انقلاباته ممهداً بصورة غير مسبوقة، ويحتاج الديمقراطيون إلى فترة من الوقت من أجل استيعاب صدمة رهاناتهم الخاسرة على التقرير، والتقدم في عملية الإطاحة بترامب بصورة مهينة، فمتى يمكن أن توضع صفقة القرن على الطاولة؟ وهل يمكن إضافة بعض الرتوش في اللحظات الأخيرة، بحيث يتم استثمار براءة ترامب في تحقيق مولر الأخطر ضمن مثالب كثيرة حاول الديمقراطيون استغلالها للإطاحة به. ربما لم يكن أحد يعرف من صفقة القرن قبل بضعة أشهر سوى رؤوس أقلام، لأن الصفقة كانت بالوناً إعلامياً في البداية يستكشف الكواليس السياسية في المنطقة، التي يبدو أنها كانت خاوية على عروشها من أي حلول أو مؤونة، تسهم في بناء مقاومة فاعلة، فالدول العربية أرهقتها سنين الربيع المتواصلة، وضربت معادلات الهوية القائمة، وفككت العديد من الأوهام القديمة، وأظهرت الأنظمة بدون غطاء شعبي وعلى علاقة ملتبسة وغير مريحة مع شعوبها، والأخطر هو أوضاع اقتصادية متردية للغاية وتوتر اجتماعي مكبوت، وتجريف ثقافي كبير، أخذ يطيح بمفاهيم قديمة، أو يضعها محل الشك والمراجعة، فلم تعد مثلاً الأحاديث حول مستقبل مشترك مع إسرائيل تواجه بالغضب الاجتماعي ذاته، وأخذت بعض الأصوات تصرح بعلانية عن تقبل إسرائيل، وضرورة التحالف معها في مواجهة مخاطر أخرى، وهو الأمر الذي لم يكن مقبولاً ولا متصوراً أن يتم بعلانية، بل وبوقاحة، فقبل ثلاثين عاماً من اليوم قاطعت معظم الدول العربية مصر لذهابها في سلام منفرد مع إسرائيل.
تجري أحداث متزامنة تستوجب القراءة المتأنية، ومع ذلك فقراءتها ليست منتجة، لأن نتائجها ستظهر خلال بضعة أسابيع على الأكثر، الجولان شيء من هذه الأحداث، وطبول الحرب في غزة حدث برسم التحقق، والاجتماع المتعدد المستويات بين مصر والعراق والأردن، حدث آخر لا يمكن أن ينفصل عن التوقعات بخصوص الصفقة التي باتت وشيكة الإعلان، وعلى هامش الصورة، أو في مركزها، ولا فرق كبير في حالة الفوضى القائمة، يحذر الرئيس عباس من عدم قدرة السلطة على أداء واجباتها المالية تجاه موظفيها، وعملياً سقطت رام الله من المعادلة، بحيث تحولت إلى مجرد مجلس بلدي تنفيذي يمكن تجاوزه بسهولة، وتبقى عمان تستقطب الأنظار، لأنها خط المواجهة الأول أمام صفقة القرن، وتحاول عملياً أن تتجنب موقع الضحية التالية على القائمة الأمريكية من أجل إسرائيل الكوشنرية الكبرى، وتدرك الأوساط الواقعية في العاصمة الأردنية مدى حساسية كل خطوة وكل إشارة في هذه المرحلة، ولذلك لا يمكن قراءة شيء في عمان بأبعد من احتشاد عاطفي يحركه تجانس الأردنيين في رفضهم بإزاحة تبعات الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية تجاههم.

يبدو أن كوشنر، وعلى الرغم من هوسه التوراتي، لا يفكر بدموية ملوك التوراة ذاتهم، فمن خلفيته في السمسرة وتطوير العقارات يحاول أن يضع حلولاً أخرى أكثر حداثة، وببساطة تأتي معادلته (الخبز مقابل الكرامة)، واتضح ذلك من إطلالته الوحيدة على الصحافة العربية، عندما ألقى أمام محاوره بجزرة استثمارات ضخمة في البنية التحتية الحديثة، التدريب المهني والتحفيز الاقتصادي، وهو الخطاب الذي يمكن أن يصلح لانتخابات نصفية في واحدة من الولايات الأمريكية، بما يدلل على ضحالة الصهر في فهم المنطقة، ومع ذلك، فعند سؤاله عن غزة أجاب بطريقة تبرر ثقته في المسار الذي يراهن عليه، فرأى أن المدخل للحل يمكن أن يتحرك لأنهم  منقسمون، وغير مرتبطين بحكومة أو بأرض، ويدرك كوشنر اليوم أن هذه العبارة تنطبق على بقية الأطراف.
أصبحت الصدمة وشيكة، ومع ذلك لا يمكن الوقوف أمام صفقة القرن وكأنها قدر لا يرد، ويحتاج الأمر إلى بعض الثقة غير القائمة على التقديرات الواقعية مثل التي يمارسها الخصوم الآخرون لأمريكا ومنهم كوريا الشمالية وإيران، وحتى الأمريكيون يستعدون لمرحلة ما بعد الصفقة التي يدركون بأنها لن تمضي كما هي على الورق، وأنها ستنتج مشكلات عميقة بعضها فوري وبعضها سيبقى يتفاعل ليزيد من الفوضى والغضب، ولأن الفعل السياسي العالمي ابتداء من عصر الرئيس بوش الابن أخذ يقتبس من العهد القديم ويعيش أوهامها، فالمناسب اليوم قراءة تفاصيل ذلك الهوس طالما أن كل التقديرات السياسية لا يمكن أن تجدي مع شخص مسطح مثل الرئيس ترامب  يهمه أن يستعرض توقيعه المتوتر والنرجسي على العالم، وأن يخرج بتصريحات تشبه وضعية مديري المزادات الذين يحاولون تجميل العقارات للمشترين، حتى لو كانت عقارات مسروقة.
سامح المحاريق – كاتب أردني