بواسطة : محمد امنون

لا يخفى على احد منا ان هذه الاحتجاجات التي  تعرفها العديد من المدن المغربية أدت الى استنفار امني كبير خاصة وان أبواق الفتنة اتخذت من هذه الاحتجاجات السلمية مادة دسمة لمحاولة زيادة إشعالها بدل العمل على تخفيفها وإطفائها لان امن الوطن واستقرار هو مسؤولية الجميع … كما لا يخفى علينا ان كل الاحتجاجات التي عرفها الوطن خلال الاشهر الماضية  كان لأجهزة الأمن يد فيها ولو بطريقة غير مباشرة كالاعتداء على المحتجين بالضرب و الاعتقال وغيرها من الاساليب القمعية التي تتنافى مع النفس الديمقراطي الذي تعيش عليها بلدنا في العهد الجديد ، ولكن الاستثناء الوحيد هو ان مسؤولي الاجهزة الامنية بإنزكان  بقيادة العميد الممتاز محمد اليزيدي كانوا الأكثر حكمة واحترافية في التعامل مع هذه الاحتجاجات مند انطلاقها بشهادة الجميع حيث لم يسجل أي عنف ولم يتم استعمال اساليب القمع و الضرب و السب و استفزاز المتظاهرين كما وقع في عديد من المدن من الصحراء الى العاصمة الرباط و غيرها من مدن الشمال ، إذ ان تعامل القوى الامنية بإنزكان مع هذه المسيرات كان باحترافية وحكمة وتعقل كبير وهو ما لم تهضمه بعض الجهات عن هذا الدور الايجابي للأجهزة الامنية بالمدينة و الاقليم، مما يؤكد أن المسؤولين بالإقليم قد اكتسبوا خبرة واحترافية في مجال تسيير المظاهرات مند مجزرة الخميس الاسود بتاريخ 07 يناير 2016 ، التي اشرف عليها العميد الاقليمي السابق والتي عرفت ابشع انواع الاعتداءات و الاستفزازات الامنية في حق الأساتذة المتدربين ، وهي المجزرة التي مازالت راسخة في  دهن كل من عايش دلك اليوم الى يومنا هذا وكانت موضوع مجموعة من التقارير الحقوقية الوطنية و الدولية السوداء .

وفي تصريحات استقيناها من عين المكان تقول الاستاذة المتدربة ” مليكة ،ن/ 23 سنة ” : ” … انا من مواليد اقليم كلميم حاصلة على الاجازة و طالبة في الماستر بجامعة ابن زهر ، اشارك للمرة الثالثة في حياتي في تظاهرة بالشارع العام ، لان التظاهرات في هذا البلد مرتبطة عندي بعنف القوى الامنية والاعتقالات التعسفية، ولكن ما اشاهده اليوم وقبل اليوم خلال تظاهراتنا نحن الأساتذة المتعاقدين هنا بإنزكان رفضا للتعاقد وخوصصة المدرسة العمومية ودفاعا عن كرامة رجال ونساء التعليم ،هو ان  القوى الامنية  باختلاف تلوينها تعاملت معنا بتعقل واحترافية وحكمة لا تتعارض في أي حال من الأحوال مع الأسس والممارسات الديمقراطية وحق الجميع في المطالبة بحقوقهم بطريقة شرعية وسلمية كما هو متضمن في الدستور و المعاهدات الدولية لحقوق الانسان…”.

الى ذلك ، اكد لنا مصدر امني ان الاوامر أصدرت ونفذت “لا مجال لاستخدام العنف مع أي شخص في الاعتصامات والاحتجاجات والمسيرات بما فيها غير المرخص لها، مؤكدا انه من الواجب في هذه المرحلة على الجميع متظاهرين ومواطنين واعلام الحرص على السلمية وتطبيق القانون واحترام النظام العام ، مضيفا : اما نحن في الاجهزة الامنية  فمن الواجب علينا التحلي بالرزانة والصبر والاقتداء بالسلوكات المهنية، حيال مواجهة الإثارات والاستفزازات موضحا  ان أوامر المديرية العامة بشأن التعاطي مع المظاهرات كانت دوما تدعوا الى عدم اللجوء إلى الوسائل المتفق عليها والمتعارف عليها، والمرخص بها في القوانين الوطنية والدولية إلا في حالات المساس الخطير بالنظام العام وحقوق الاخرين ”.

” محمد – ا ” استاد جامعي ، بدوره اشاذ بالنظام الذي ميز مسيرة الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد يوم امس الجمعة بإنزكان مضيفا ان الأساتذة المتعاقدين بمسراتهم واحتجاجاتهم السلمية و الحضارية هذه انما  يفضحون  بدعة و جريمة التعاقد كجواب بليد من مسؤولين بلدا على أزمة المالية العمومية والتي يعتقد  البعض، أن توازنها يمر وجوبا عبر تقليص كثلة الأجور وذلك عبر قراءة حسابية سطحية لا تختلف عن المحاسبة التي يجريها أبسط تاجر صغير مضيفا : ” ان الذي يجب أن يعلمه مسؤولي هذا الوطن مركزيا أن ارتفاع كثلة الأجور بالنسبة للناتج الداخلي الخام، يعود لضعف الاقتصاد الوطني وبالنتيجة ضعف الناتج الداخلي الخام، لذلك عوض تفقير الإدارة العمومية ونشر الهشاشة فيها، من الواجب مواجهة الحقيقة كما هي بدل تقديم حلول تقنية/ محاسباتية كارثية تعقد الوضع أكثر مما تعالجه... ” .

اما فاطمة السبخ 67 سنة ربة بيت  وام ل 5 ابناء ، فتقول : ” انا من ساكنة الدشيرة الجهادية وام لخمسة ابناء  ” فاطمة وهي محامية ، بلقاسم وهو استاد جامعي، نور الدين  موظف بوزارة الداخلية و الاخرين خارج الوطن بكندا وبلجيكا ” خرجت لدعم ابنائي هؤلاء الشباب الأساتذة المظلومين ضد قرارات الوزارة و الدولة التي تفرض التعاقد و الادلال على رجال التعليم من ابناء الشعب الفقراء و ترسم ابناء الوزراء و المسؤولين و تمنحم التعويضات و  لأباءهم التقاعد الاستثنائي  من اموال دافعي الضرائب ولا يستطيع احد ان  يقول لهم لا او يحاسبهم … يجب على الجميع ان يخرج اليوم ليحتج ضد الفساد و المفسدين في هذا الوطن الجميل الغني”.

يشار أن عددا من المدن المغربية عرفت يوم  امس الجمعة مسيرات جهوية للأساتذة المتعاقدين تنزيلا لبرنامجهم النضالي الوطني. مطالبين وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي بتحقيق مطالبهم، التي يعد الإدماج في سلك الوظيفة العمومية، اسوة بباقي الموظفين ، و عدم التخلي عن مجانية التعليم من اهمها .

وبالرجوع الة موضوع التعاقد المثير للجدل ، نجده يندرج في إطار التوصيات التي أقرها الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999، حيث جاء في المادة 135 المرتبطة بالتكوين الأساسي للمدرسين والمشرفين التربويين وتوظيفهم، أنه “… يتم تنويع أوضاع المدرسين الجدد من الآن فصاعدا، بما في ذلك اللجوء إلى التعاقد على مدد زمنية تدريجية، قابلة للتجديد على صعيد المؤسسات والأقاليم والجهات وفق القوانين الجاري بها العمل“.

وفي الفصل السادس مكرر من القانون رقم 05-50 المتعلق بالتشغيل بالعقدة، نقرأ: “يمكن للإدارات العمومية أن تشغل أعوانا بموجب عقود، وفق الشروط والكيفيات المحددة بمرسوم”، ويضيف الفصل ذاته أنه: “لا ينتج عن هذا التشغيل في أي حال من الأحوال حق الترسيم في أطر الإدارة“.

أما في المخطط الاستعجالي عام 2009 فقد جاء في الصفحة 49 ما يلي: “سوف تتم مراجعة أشكال التوظيف، إذ ستجرى على مستوى كل أكاديمية على حدة، وفق نظام تعاقدي على صعيد الجهة”. وللتأكيد على أن السلطات ماضية في مخططها التصفوي بأناة، تنص الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 في المادة 59 على أنه “يتم بالتدريج اعتماد تدبير جهوي للكفاءات البشرية في انسجام مع النهج اللامتمركز لمنظومة التربية والتكوين وتوجهات الجهوية المتقدمة، مع تنويع أشكال توظيف مدرسي التعليم المدرسي ومكوني التكوين المهني، وذلك طبقا للمادة 135 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين“.

وجدير بالذكر أن هذا القانون المثير للجدل سبق لمجلس المستشارين أن رفضه في سنة 2006، ليركن في رفوف الإدارة ريثما تتوفر التربة المناسبة. وهكذا بقي في الانتظار إلى حين قدوم حكومة ابن كيران، التي سارعت في يوليوز 2015 إلى تمرير ما سمي بـ”المرسومين المشؤومين” القاضيين بفصل التكوين عن التوظيف، وتقليص منحة الأساتذة المتدربين إلى النصف (1200 درهم) خلال سنة التكوين. وعادت خلال يونيو 2016 للمصادقة على المرسوم الذي تحدد بمقتضاه شروط وكيفيات التشغيل، وفق عقود بالإدارات العمومية، طبقا لما ورد في القانون 05-50.

إلى هنا يتضح جليا أننا إزاء ترسانة من التوصيات والقوانين الهادفة جميعها بشكل ممنهج إلى ضرب الوظيفة العمومية ونسف ركائز المدرسة العمومية ، وأن الدولة تسير صوب تكريس نظام التعاقد، قصد خفض كتلة الأجور حفاظا على التوازنات الماكرو اقتصادية، بعيدا عما يتم الترويج له من مغالطات حول تحقيق جودة التعلمات والتكوين الجيد للمتعاقدين. فكيف لهؤلاء “الأساتذة” الذين خضعوا لتكوينات هشة وسريعة، والمهددين بفسخ عقودهم عند أي “هفوة” ممكنة، أن يكونوا متحمسين للعطاء المثمر في قطاع يعتبر القاطرة الأساسية للتنمية؟

فالمتعاقدون يرفضون بشدة أن يكونوا جسرا للعبور في اتجاه إعادة هيكلة المنظومة التعليمية، والسعي الحثيث نحو تفعيل العمل بمشاريع المؤسسات، والانفتاح على مصادر أخرى للتمويل، وترتيبات متعددة تمهيدا لجعل دور الدولة ينحصر فقط في رسم الأهداف الكبرى. ويرفضون كذلك ما يحمله التعاقد من تهديد للاستقرار المهني والنفسي والاجتماعي، وتفكيك الأسرة التعليمية ، والحرمان من الترسيم والترقية والإدماج

من أجل كل ذلك وغيره كثير، يصر المتعاقدون على مواصلة معركة الكرامة بكل صيغ النضال المشروعة، ورفض السيوف المسلطة على رقابهم وشرعنة التعاقد عبر توقيع ملحقات عقود “الإذعان”. ويطالبون بقوة بإلغاء مرسوم “العار”، وإدماجهم في سلك التعليم بشكل يكفل لهم المساواة مع باقي موظفي الوزارة والحق في الاستقرار، وإنقاذ المدرسة العمومية مما تتعرض له من هجمة شرسة، وضمان حق المتعلمين في تعليم جيد وتكافؤ الفرص بين كافة أبناء الشعب.