تختلف ظروف انتفاضتي الشعبين الجزائري والسوداني، تماماً كما اختلفت ظروف الثورات التونسية والمصرية والليبية والسورية واليمنية والبحرينية العام 2011 واختلفت معها مسالكها ومآلاتها.

لكن الاختلافات هذه لا تُلغي المشترك الأبرز: رفضُ سيادةِ المهانة والابتزاز.

ولعلّ ما يجدر التوقّف عنده اليوم هو هذا المشترك بالذات. فبعد ترنّح الثورات العربية أمام الثورات المضادة والتدخّلات الأجنبية وعنف الأنظمة الهمجي، مع استثناء تونسي وحيد، بدا أن مسألة التحوّل الديمقراطي الشائكة قد تلاشت في العالم العربي ومعها الدعوات إليها، وصار التخويف بالنموذج السوري تارة أو بالنموذجين الليبي واليمني تارة أُخرى الابتزاز الأكثر رواجاً للأنظمة القائمة، ما أن تواجهها احتجاجات شعبية أو مطالبات بإصلاح أو ببعض عدالة. كما أن المناخ الدولي مال أكثر من أي وقت مضى إلى إيثار الاستقرار على أي تغيير خوفاً من قضايا النزوح واللجوء واضطراب الحدود. وشكّل صعود أنظمة وتيّارات ومسؤولين في العالم غير معنيّين بالديمقراطية وحقوق الإنسان (إن لم نقل معادين لها) وإمساك بعضهم بمقاليد الحكم في بلادهم رافداً لفكرة “الاستقرار” عربياً ولَو فرضاً بالسجن والإعدامات، على ما يجري في مصر السيسي، أو غضاً للنظر عن ممارسات وجرائم ضد متظاهرين وناشطين وصحافيين، كما في السعودية والبحرين وغيرهما.

أكثر من ذلك، بدا أن هزيمة الثورة السورية تحديداً بعد خراب سوريا العظيم ووقوعها تحت احتلالات وتفتّت ترابي ونجاة بشار الأسد (مؤقّتاً) رغم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها، درسٌ لجميع الشعوب العربية، بمعزل عن موقفها مما جرى أصلاً في سوريا، من أن أي فكرة تغيير لنظام قائم، سلميةً كانت أو عنفية، لن تنتهي بغير دمار شامل وتهجير وتدخّلات خارجية ومزيد من السجون.

وقد تكرّرت بالفعل التحذيرات من سيناريوهات سورية أو ليبية في الجزائر في أكثر من مناسبة. كما تكرّر القول إن ذاكرة السنوات الدموية في التسعينات كبحت، حتى قبل تفاقم الأوضاع سورياً، كل دعوة للتغيير، على اعتبار أن الجزائريين اختبروا العنف والصدامات وفضّلوا بعد عشرات آلاف الضحايا والمفقودين “مصالحة” شكلية وعودة للاستقرار و”استمرارية” للحكم القائم برئاسة عبد العزيز بوتفليقة منذ العام 1999.

الأمر نفسه تكرّر في السودان المُنهك بتبِعات الصراعات في جنوبه المنفصل بعد حرب قتلت مئات الألوف، وفي شرقه حيث ارتكب النظام مجازر وشرّد مئات الألوف الآخرين. وهو فوق إنهاك العنف الطويل، مُفقر بسبب الفساد وسوء الإدارة ونهب الموارد، ومعزول ديبلوماسياً نتيجة إدانة المحكمة الجنائية الدولية لرئيسه عمر البشير، الممسك بالحكم منذ انقلابه العام 1989، لمسؤوليته عن الجرائم في دارفور.

 وإذا بدا أن التهديدات بالفوضى العارمة وبالعنف المنفلت والدمار من ناحية، والتذكير بتجارب دموية سابقة من ناحية ثانية (معطوفة في حال الجزائر على إنفاق اجتماعي واسع أتاحه ارتفاع أسعار النفط والغاز بين العامين 2004 و2011) قد أجّلت لفترة كل حراك شعبي واسع معارض للسلطات، فإن وصول الممارسات السياسية والاقتصادية للحكّام وحاشياتهم إلى حدود من الفجور والغرور وعدم الاكتراث غير المسبوقة، قد فجّر غضباً لم يعد ينفع معه تهديد أو ابتزاز أو شراءُ استقالةٍ من الشأن العام بِبعض القروض والمنح وتوسيع الطرقات.

المهانة إذ تبلغ حدوداً سوريالية

 

فأن يستمرّ البشير في حكمه ويتحضّر لولاية رئاسية جديدة بعد ثلاثين عاماً من استيلائه على السلطة، ويلوّح بعصاه متهدّداً مطالبيه بالرحيل أو مندّداً بالأصوات المنتقدة الفساد وتردّي الأحوال المعيشية لأكثرية الناس في بلد تمزّق تحت سلطته وتراجعت أحواله السيئة أصلاً، وهو فوق كلّ ذلك مطلوب دولياً بتهمة القتل الجماعي، ففي الأمر ما يتخطّى مسألة الاستبداد والقبول بها خشية الفوضى. فيه شيء من التنكيل بالناس والإذلال لهم المترافق مع ابتسامة سادية تقول: “سأفعل ما أشاء ولن يخرج منكم واحدٌ فيتجرّأ على مواجهتي”.

وأن يترّشح بوتفليقة لولاية خامسة، بعد عشرين عاماً قضاها رئيساً، ومثلها قبلها وزيراً وديبلوماسياً و”أباراتشيكياً”، وهو الثمانيني المريض، الغائب عن المشهد العام طيلة الولاية الرابعة وحتى في “الحملة الانتخابية” التي سبقتها، غير القادر على النطق الواضح وعلى الوقوف منذ العام 2014، والموجود في مستشفى سويسري (حيث يتعالج لخلوّ البلاد التي يرأسها من مستشفيات لائقة وسفر المسؤولين السياسيين والأمنيين وأصحاب الإمكانات المالية والحظوة للاستشفاء على الدوام خارجها، في فرنسا أو سويسرا أو غيرهما!)، ففي الأمر أيضاً ما يُظهر الإهانة (السوريالية) لأكثرية الجزائريين. وكأن في الترشيح نفسه سياسة إذلال مقصودة ومكتفية بذاتها.

وهذا كلّه يتخطّى الاعتبارات حول صراعات بين أجنحة وجنرالات في المؤسسات العسكرية والأمنية والمخابراتية الجزائرية وشقيق الرئيس (وبين رجال الأعمال المحيطين بهم) لم يحسمها أحدٌ بعدُ، فقبلوا جميعاً على مضض ببقاء الرئيس “العاجز” ريثما يُتوافَق لاحقاً على سواه. ويتخطّى أيضاً ارتباك الجيش الجزائري القلق من جواره الليبي والماليّ والنيجري، والمُذكّر أوروبا دورياً بحدود بحرية معها مضبوطة “حتى الآن”. وهو يتخطّى كذلك أزمات الحكم السوداني وانقلاب البشير على الترابي بعد المهدي وصراعات الماضي المُستحضرة، ومستقبل الاستثمارات الصينية والروسية في بلاد يقاطعها “الغرب” رسمياً وتحتل مساحة استراتيجية شاسعة بين البحر الأحمر والوسط الأفريقي وموارده.

وإذا كان من المبكر الحكم على ما جرى ويجري في السودان حيث أعلن البشير حالة الطوارئ، أو في الجزائر حيث تتواصل التظاهرات وتتصاعد بموازاة اجتماعات يُحكى عنها في العاصمة الوطنية كما في المستشفى السويسري، فإن ما جرى في هذين البلدين حتى الآن أنهى جانباً من الابتزاز بالأمن والسلامة وردّ على المهانة بإقدامٍ وبهاء. وهو في أي حال سيُشّجع القائمين به على الاستمرار وعلى نقل العدوى إلى أمكنة أُخرى، تماماً كما حصل عامي 2010 و2011.

هكذا، يتأكّد تكراراً أن المرحلة التي نعيشها منذ بداية هذا العقد ما زالت حاملة لآمالٍ بتغيير أو أقلّه بوقفٍ للتردّي رغم عنف الثورات المضادة والانقلابات وصعوبة المسارات الانتقالية. مرحلةٌ يصنعها جيل جديد معظمه وُلد في ظلّ الوجوه الحاكمة إياها، وها هو اليوم يسعى بأساليب جديدة وبمعونة تكنولوجيا خبِر جيداً استخدامها، طيّ صفحتها.

* كاتب وأكاديمي لبناني