الدعاية الرسمية التي تتباناها الدولة على أعلى المستويات، والمتمثلة في توجيه الحاصلين على شهادة الباكلوريا الى التكوين المهني وإعطاء صورة سوداوية عن التعليم الجامعي، تتمثل خطورتها في كونها جزء من مخطط خطير يستهدف الأدوار الحيوية التي من الممكن أن تلعبها الجامعة في إصلاح المجتمع وإحداث التغيير السياسي المنشود، حيث يروم هذا المخطط الى انتاج أجيال غير مؤهلة لا تعليميا ولا مهنيا، وبالتالي سنعود الى حالة ما قبل الدولة المدنية التي يغيب فيها مفهوم المواطنة كما تغيب فيها كل مظاهر الابداع والفكر والحرية، وتسيطر عليها قيم الفردانية والجهل والعنف والتفكك المجتمعي..

ففي ظل ضعف الميزانية المخصصة للتكوين المهني والاستقطاب المحدود جدا لمؤسساته قياسا الى أعداد المترشحين الذين يتعذر على معظمهم اجتياز امتحان الولوج اليه، ستجد الغالبية العظمى من الحاصلين على شهادة الباكالوريا نفسها محرومة حقها في استكمال تعليمها بعد شهادة الباكالوريا..

فالجامعة يتم تشويهها في أعين الراغبين في استكمال دراستهم العليا بحجة عدم مواكبتها لسوق الشغل، فيما يتعذر على الغالبية العظمى من المتحصلين على شهادة الباكالوريا االتسجيل في معاهد التكوين المهني، ما يعني بشكل أو بآخر أننا بصدد أجيال سيكون تعليم معظمها مقتصرا على شهادة الباكالوريا في أحسن الأحوال، هذا إذا لم يعزف الكثير منهم حتى عن استكمال تعليمه الأساسي والثانوي بسبب انعدام آفاقه الدراسية والمهنية..

ومع تفاقم واقع البطالة وغياب فرص الشغل سنكون في المحصلة أمام أجيال غير متعلمة وغير مؤهلة لا مهنيا ولا أكاديميا ولا حتى فكريا أو سياسيا…، فأدوار الجامعة لا تقتصر على تلبية بعض جوانب سوق الشغل، وإنما تنتج النخب الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وتخلق النقاش العلمي والأكاديمي الموازي..، وهي العناصر التي سيشكل غيابها مناخا مناسبا لتمييع النقاش العمومي، كما سيسهل التحكم في المجتمع الذي يعاني أصلا تفاقم للعديد من مظاهر الهشاشة والفقر والامية..، في ظل تراجع أعداد المتعلمين الذين يفترض أن يتصدون للنقاش العمومي ولتأطير المجتمع وممارسة العمل السياسي وكذا الاشتغال في مختلف المجالات الفكرية والثقافية والفنية والاعلامية..، وهي المجالات التي يفترض أن تشكل صمام أمان بالنسبة للمجتمع تحفظ قيمه وتوجهه..

بنعبد الفتاح محمد سالم